// ملحمة "الحرافيش" رائعة نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل عام "1988" - Tahani Magazine

ملحمة “الحرافيش” رائعة نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل عام “1988”

ملحمة “الحرافيش” رائعة نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل عام “1988”

 

“في ظلمة الفجر العاشقة، الممر العابر بين الموت والحياة… على مرأى من النجوم الساهرة، على مسمع من الأناشيد البهيجة الغامضة، طرحت مناجاة متجسدة للمعاناة والمسرات الموعودة لحارتنا”!!
بهذه العبارات الرائعة يفتتح نجيب محفوظ حكايته الأولى الحرافيش “عاشور الناجي”، حيث يلقي بنا مباشرة في وهدة اللحظة التي يلتبس فيها النور بالظلمة والتي تنزاح تدريجياً، ولعله حين وصف ظلمة الفجر بالعاشقة لم يبالغ، فهي لحظة الوله العارم حين يولج رب الكائنات النهار في الليل، ويولج الليل في النهار، “كون” ما أوجده ما هو إلا الحب الذي يصطحب جميع المقامات والأحوال في ثنايا الوجود كله، وهكذا تتكون “ملحمة الحرافيش”   من عشر حكاياتٍ وكل حكاية امتداد للتي سبقتها، ودوماً في بداية روايات “محفوظ” هناك لحظة انتهاك وجرح وتمرد على سلطة الأصل وسطوته الخارقة، لكن الفاجعة تكمن في العبث المستكين وفي عمق المحاولة حين يكتشف المرء أنه ماخاض مغامرته الكبرى إلا من أجل حلم وهمي. ولعله كابوس وأضغاث أحلام.

“الحرافيش” كتبت عام “1977”
“الحرفش” هو الذي يتهيأ للقتال والغضب “فتوة”.

تجري أحداث “الحرافيش” في أحد أحياء القاهرة القديمة، وسط أناسٍ بسيطين، وتصور لنا حياة أناس يشبهون زعماء العصابات أو العشيرة والذين يديرون شؤون الحي جيلاً بعد جيل. أول زعماء العشيرة كان سائق عربة متواضع اسمه        “عاشور الناجي”، في أحد أحلامه يرى وباء يوشك أن يصيب القاهرة، ويتحقق حلمه فيلجأ للصحراء مع زوجته وطفله، وعندما ينتهي الوباء يعود عاشور للمدينة المدمرة ويستولي على قصر مهجور معيداً توزيع الثروة في داخل القصر وذلك لإنعاش اقتصاد الحي، لكن الشرطة قبضت عليه وأودعته السجن، وبعد عام من الإفراج عنه زاد من شهرته بين الفقراء ويعود “عاشور الناجي” وسط استقبال وهتافات أهل الحي، وكأنه بطل من الأبطال، ويتولى رئاسة العشيرة مؤسساً لعصرٍ ذهبيٍ “يكبح القوي ويحمي حقوق المستضعفين ويخلق جواً من الإيمان والتقوى، وفي ليلة غامضة اختفى عاشور بشكلٍ غامض وفرح التجار لذلك، لكن ارتياحهم لم يطل، فبعد سلسلة من المعارك مع العشائر المجاورة يستطيع إبن عاشور “شمس الدين الناجي” أن يؤسس لتفوق عشيرة “الناجي”، واستمر الحرافيش بالازدهار وبالعيش العادل تحت قيادته الجديدة، ولكن الأسرة تبدأ بالتدهور مع حلول “سليمان” ثالث شخص من عائلة الناجي والذي أخذ يحول نقود الفقراء إلى أعضاء العشيرة بدل توزيعها على الفقراء كما كانت الحالة من قبل، فيزداد ثراء العشيرة وتزداد معاناة أهل الحي، أما أبناء “سليمان” فيعجزون عن فهم ذلك الرخاء الذي تتمتع به العشيرة ومعاناة أهل الحي، لذلك يكرسون أنفسهم لجمع المال.                                  تفارق الزعامة عائلة ناجي وتصبح العشيرة مستقلة بدلاً أن تكون حامية للناس البسطاء، ولثلاثة أجيال أخرى يستمر انحدار العشيرة والحي، ويعيش الحرافيش في فقر وعجز يائسين من عودة أيام “عاشور”، ثم تنتقل الزعامة إلى “جلال الطاغية” الذي يستخدم الرشوة والبلطجة ليبني لنفسه قصراً ضخماً مليئاً بالتحف، أما الحرافيش فيصبحون مهمشين، ويعتقدون أن “جلال” قد خان عهد “عاشور” ونظام العشيرة أضحى كارثة.
تضرب المجاعة القاهرة ويخزن التجار الطعام ويثور الحرافيش، وفي ظل هذا الجو المشحون يأتي حفيد متواضع لعاشور هو “فتح الباب” زعيماً جديداً، ويحاول أن ينهي جور العشيرة، ويشعل شرارةً تطلق انفجار الغضب الشعبي، فتهزم العشيرة ويطرد زعيمها “جلال”، ويصبح “فتح الباب” زعيماً جديداً، ويحاول أن ينهي الفقر والجور ليعيد الطريق كما كان، لكن أتباعه يقتلونه، ويعود الحرافيش كما كانوا يتزعمون العشيرة، في تلك الأثناء يترعرع شاب اسمه “عاشور” وهو الابن الثالث لابن أخ “فتح الباب”، يتأمل سيرة جده الأسطوري وطرق تمكنه من التوفيق بين القوة والفضيلة، ويتحدى العشيرة والحرافيش حتى يستطيع أن “يروض” هؤلاء الحرافيش ويتبعونه ” وهم يشكلون الغالبية العظمى من الناس، وأصبح عاشور الزعيم الجديد “للحرافيش” وقد حوّلهم من متشردين ونشالين وشحاذين إلى أعظم قبيلة عرفها الحي، وفرض ضرائب باهظة على الأغنياء، وأسس “ميليشا” شعبية، وقام بإعطاء فرص العمل للجميع، وأسس في الحي مدارس وبهذا تبدأ مرحلة في تاريخ العشيرة امتازت بالقوة والاستقامة…

تاريخ “الفتوة” عبر زمن من الأحداث
حرص “محفوظ” في ملحمته “الحرافيش” على أن يربط بين قصة وأخرى بتعاقب أجيال عديدة على حي في القاهرة .
الأولى “عاشور الناجي” والثانية “شمس الدين” والثالثة “الحب والقضبان” والرابعة “المطارد” والخامسة “قرة عيني” والسادسة “شهد الملكة” والسابعة “جلال صاحب الجلالة” والثامنة “الأشباح” والتاسعة “سارق النعمة” والعاشرة “التوت والنبوت”، وهذه الحكايات يجمعها خيط واحد وهو تاريخ الفتوة “الحرافيش” عبر زمن ممتد من الأجداد وحتى الأحفاد متمثلة في أسرة الجد الأكبر  “عاشور الناجي” حتى آخر حفيد “عاشور”. ومن خلال كل ذلك تتعرض الملحمة لبداية تكوين كل أسرة وكيفية صعود الحرفوش ليصبح “فتوة” ثم هبوط الفتوة. وتتعرض للحياة الاجتماعية من زواج وطلاق وأولاد وصراعات وطرق عديدة لإقامة القيم والمثل، وعبر الزمن الممتد يختفي بعض الأبطال ويظهرون بشكل آخر في امتداد الأولاد والأحفاد.
تلك الشخصيات، يتم التعارف عليها فور ظهورها، ويغمرنا “محفوظ” بتدفق سردي كثيف ثم يتركنا نعيش الشخصيات بكل تياراتها ودواماتها وأمواجها بمهارة استثنائية وواقعية اجتماعية رمزية وعبثية، وأحياناً عاطفية تمزج بين الحلم والواقع مع تغير الزمان والمكان والذي هو “الحارة” الشعبية، لذلك سمي نجيب محفوظ “أبو الحارة المصرية” .
إنه صاحب أسلوب أدبي مميز ومجتهد للمسار الاجتماعي، في محاولات جريئة للكشف عن الطريقة البالغة للقسوة التي تتسم بها السلطة. في تسلسل زمني ومكاني، وفي رفضه الاستسلام  للضعف في جوهر ما قام به ككاتب ولمدة نصف قرن.

 

تلخيص : فاديا ناصر